1 يناير 2019

الأصول المالية الرقمية Securities Token؛ هل ستحدث تغييرات جذرية في أسواق الأوراق المالية؟ وما أهمية المعايير التنظيمية التي أعلنت عنها شبكة أونتولوجي Ontology؟

 

مع الضجيج والصخب الذي يملئ أجواء سوق العملات الرقمية يغفل الكثيرين عن أحداث هامة وبارزة تحصل من حولهم في هذه السوق, العديد من هذه الأحداث يتوجب علينا التوقف ملياً عندها ومحاولة التعرف على الأبعاد الكاملة لما يمكن أن تحدثه في المستقبل.
في هذا المقال سنسلط الضوء على واحدة من الخطوات المميزة التي ظهرت مؤخراً والتي يمكن لها أن تحدث تغييرات جذرية في أسواق المال العالمية وهي ظهور أسلوب تمويلي جديد يؤسس لما يسمى بالأصول المالية الرقمية Securities Token.



التمويل الجماعي Crowd Funding:


مع تطور شركات الأعمال وكبر حجمها أصبحت حاجة هذه الشركات إلى الأموال تفوق مقدرة الفرد الواحد أو الجماعات الصغيرة على توفيرها الأمر الذي قاد إلى ظهور أسلوب التمويل الجماعي. ومن خلال هذا الأسلوب أصبح بإمكان الشركات الحصول على ما تريده من أموال المدخرين من خلال طرح أوراق مالية تعبر عن ملكية المستثمرين للحق في بعض أصول الشركة ( في حالة الأسهم) أو خصوم الشركة ( في حالة السندات).
ومع تميز هذه الأوراق بخاصية القابلية للتداول Tradable ظهرت وتطورت أسواق الأوراق المالية لتصبح واحدة من أهم قنوات تدفق الأموال من وحدات الفائض المالي Surplus (المستثمرين) إلى وحدات العجز المالي Deficit (الشركات) جنباً إلى جنب مع القناة التمويلية الأخرى (الجهاز المصرفي) وبات وجود هذه القناة التمويلية غاية في الأهمية لاقتصاد أي بلد.


الأسواق الأولية Primary Markets:
مع مرور الزمن تطورت الأسواق المالية و أصبح بالإمكان تصنيفها إلى نوعين وذلك بحسب طبيعة العلاقة التي تربط المتعاملين في هذه السوق مع بعضهم البعض:
النوع الأول من هذه السوق هي السوق الأولية وهي السوق التي تربط أصحاب المدخرات المالية بالشركات التي تطلب الحصول على هذه المدخرات, وباتت عملية انتقال الأموال تتم وفق طريقة تعرف باسم الطرح الأولي (الاكتتاب العام) Initial Public Offerings IPOs, وتقوم الشركة بطرح الأوراق المالية عبر وسيط مالي Financial Intermediary يسمى (بنكير الاستثمار Investment banker) الذي يتولى تسويق هذا الاصدار وفي بعض الحالات يتعهد أيضاً بتغطيته بمعنى ضمان بيع كل الأوراق المالية المصدرة.
أما النوع الآخر فهي السوق الثانوية Secondary Market وهي السوق التي توفر المكان الملائم لانتقال الأوراق المالية من مستثمر إلى آخر وهنا يبرز أهمية تمتع هذه السوق بالسيولة لكي تضمن نجاح وكفاءة السوق الأولية.


دور بلوكشين ايثريوم Ethereum في تطوير اسلوب التمويل الجماعي


لم يكن من السهل اصدار العملات الرقمية البديلة كما لم يكن من السهل أيضاً الحصول على التمويلات بالنسبة للشركات الرقمية الناشئة, لكن مع ظهور بلوكشين ايثريوم كل ذلك تغير تماماً.
الايثريوم قدمت ما يمكن تسميته بالجيل الثاني من البلوكشين بخاصية فريدة ورائعة هي العقود الذكية Smart Contracts هذه الخاصية مكنت الشركات من بناء عقود ذكية تقوم تماما بدور (بنكير الاستثمار) في الأسواق الأولية, وهو ما أدى إلى تطوير اسلوب تمويل جماعي خاص بسوق العملات الرقمية وحمل هذه الاسلوب اسم Initial Coin Offerings ICOs.
فالبلوكشين التي تقوم على إلغاء المركزية كانت البيئة الملائمة لظهور هذا الأسلوب, والعقود الذكية كانت هي الخطوة البارزة في هذا الجانب.

تشير الاحصائيات إلى أن عام 2017م وكذلك الشهور الأولى من عام 2018م شهدت طفرة غير مسبوقة في استخدام التمويل الجماعي باستخدام ICO, ففي 2017 بلغ عدد عمليات التمويل الجماعي للعملات الرقمية نحو 552 عملية ICOs ناجحة بإجمالي مبلغ يتجاوز 7 مليار دولار, اما في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2018 وصل الرقم إلى نحو 537 عملية جمعت الشركات خلالها ما يزيد عن 13.7 مليار دولار.
مع ذلك فقد هذا الأسلوب شعبيته خلال الأشهر الأخيرة من العام 2018م بسبب العديد من المشاكل الناجمة عن الافراط في استخدام هذا الاسلوب التمويلي الجديد.


المشاكل التي نجمت بسبب اسلوب التمويل الجماعي ICO:
بالرغم من نجاح الكثير من الشركات في الحصول على احتياجاتها التمويلية من أجل تحويل العديد من الأفكار الإبداعية في عالم التشفير Cryptography إلى واقع ملموس, غير أن العديد من الشركات أخفقت في الحصول على احتياجاتها التمويلية باستخدام ICOs.
كما أنه نظراً لضعف الإطار التنظيمي لسوق العملات الرقمية فان الحصول على الأموال باستخدام ICO فتح المجال لحالات احتيال كثيرة, ويشير أحد التقارير إلى أن المستثمرين تعرضوا لحالات احتيال سلبتهم ما يزيد عن مليار دولار من العملات الرقمية في عام 2017م.
ومن المشاكل التي تسببت فيها عمليات التمويل الجماعي هو تأثيرها السلبي على الأسعار في السوق, فخلال العام 2018 مرت سوق العملات الرقمية بسوق دببيه بالإضافة إلى أن حاجة الشركات الناشئة للأموال لمواجهة نفقاتها التشغيلية تتطلب معها بيع جزء من التمويلات التي حصلت عليها على شكل عملات رقمية أخرى (بيتكوين, ايثريوم, .. الخ) وبالفعل سلطت العديد من التقارير الضوء نحو مسألة التأثيرات السلبية لهذا الأمر على السوق, بل وتأثرت أسعار عملة ايثريوم كثيراً, ويشير تقرير حديث تناوله موقع cointelegraph إلى أنه تم بيع ما يزيد عن 400 الف وحدة من عملة ايثريوم في شهر نوفمبر الماضي كانت الشركات قد جمعتها في مراحل الاكتتاب الأولي ICOs .


الأصول المالية الرقمية Security Token, بداية جديدة لنهضة الأسواق المالية


مع التطورات التي شهدتها سوق العملات الرقمية والتي أدت بالتبعية إلى تطوير اسلوب تمويل جماعي يلائم طبيعة هذه السوق, ومع المشاكل المتزايدة التي عانى منها الأسلوب التمويلي الرقمي السابق وانخفاض شعبيته, كل هذه العوامل قادت إلى التفكير بأسلوب تمويلي جديد, يتغلب على المشاكل التي عانى منها أسلوب ICO و يوفر الطريقة المناسبة للشركات التقليدية للحصول على التمويلات التي تحتاجها من السوق الرقمية.
وبالفعل بدأت العديد من الشركات النظر إلى إمكانية إصدار اصول مالية رقمية تتشابه في خصائصها مع خصائص الأوراق المالية التقليدية Securities كالأسهم والسندات.

ويمكن تعريف الأصول المالية الرقمية بأنها "أداة تمويلية متقدمة تقوم على الترميز الرقمي (tokenize securities) للأوراق المالية التقليدية".
بمعنى أنه وبدلاً من أن تصدر شركات الأعمال أوراقاً مالية تقليدية (أسهم, سندات) فإنها وباستخدام عمليات الاكتتاب الأولي للأصول المالية الرقمية Securities Token Offerings STOs يمكنها الحصول على احتياجاتها المالية من خلال السوق الرقمية مستفيدة بذلك من الخصائص الفريدة التي أضافها اسلوب ICO لعملية التمويل الجماعي.

وبنظرة عميقة إلى جوهر هذا الأسلوب سنجد أننا أمام أسلوب تمويلي جديد يتمتع بسمات وخصائص لا يمكن توافرها في اسلوب التمويل الجماعي التقليدي IPO بالنسبة لشركات الأعمال, وسمات وخصائص لا يمكن توافرها أيضاً في اسلوب التمويل الجماعي الرقمي ICO بالنسبة لسوق العملات الرقمية, ويمكن أن نسلط الضوء على جملة من اهم تلك السمات كما يلي:
1. اسلوب التمويل الجماعي التقليدي IPO ينحصر في نطاق جغرافي ضيق ويحصر أيضاً التعامل بالأوراق المالية في سوق مالية معينة, لكن ومع الأسلوب الجديد STO فإنه بالإمكان تخطي الحدود الجغرافية والوصول إلى أي مكان من أجل الحصول على الاحتياجات المالية.
تعد هذه السمة بحد ذاتها غاية في الأهمية لما لها من آثار محتملة, فالأسواق ووفق هذا الأسلوب لن تكون محصورة في نطاق جغرافي وبالتالي لن يكون هناك حاجة إلى ضرورة تكامل الأسواق مع بعضها فالسوق ستصبح سوقاً واحدة أجزائها متكاملة مع بعضها البعض, بل وربما سنرى تغيراً في مسمى أسواق الأوراق المالية لتصبح في يوما ما تسمى السوق الرقمية.
من ناحية أخرى فإن الأسواق المالية لن تكون حكراً على فئة معينة, فالأسواق الرقمية بشكلها الحالي تمكن الجميع من الدخول إليها والاستثمار فيها, هذا الأمر قد يعني ( ولو بشكل نظري على الأقل) إمكانية الوصول إلى الاستغلال الأمثل للموارد المالية الفائضة في اقتصاديات العالم وهو الامر الذي كان يصعب تحقيقه بالشكل التقليدي.

2. وفق الاسلوب الرقمي فإنه لن يعود هناك حاجة إلى وجود الوسطاء الماليين, فالحاجة إلى دور الوسيط (بنكير الاستثمار) تختفي تماماً في ظل اسلوب التمويل الجماعي STO, وما ينتج عن ذلك من تخفيض تكاليف إصدار الأوراق المالية.
كما أن إمكانية وصول المستثمر إلى السوق يلغي الحاجة إلى وجود السماسرة Brokers, بل يمكننا النظر أبعد من ذلك ونتساءل هل ستكون الأسواق المالية مستقبلاً قائمة على ركنين فقط (المستثمرين, المصدرين) دون الحاجة لوجود الركن الثالث للأسواق المالية التقليدية (الوسطاء الماليين)؟.

3. التغلب على بعض التعقيدات التي تعاني منها الأسواق المالية التقليدية, من هذه التعقيدات هو ما تتطلبه العملية التقليدية من ضرورة اتمام عمليات انتقال الملكية للأوراق المالية قبل موعد توزيعات الأرباح, هذه العملية في الوقت الراهن تأخذ قرابة شهر كامل.

4. إمكانية تحقيق إشباع أكبر لرغبات المستثمرين, فمن جهة نظر المستثمر فإن ذلك يعني توفر فرص استثمارية أكثر في ظل الأسواق المالية التقليدية وهو ما سيمكنه من تعزيز عمليات الاستثمار.
كما أن الأسواق ستكون قادرة على تحقيق العدالة الكاملة للمستثمرين, فمن خلال بروتوكول اثبات الحصة Proof of Stake يمكن تحقيق العدالة في التوزيعات بناء على فترات احتفاظ المستثمرين بالأصول المالية, ولنا في تجربة شبكة نيو NEO خير دليل على إمكانية منح المستثمر الحصة العادلة من التوزيعات بناء على فترة احتفاظه بالأصول وهو أمر يستحيل تحقيقه في الأسواق التقليدية.

5. سوق العملات الرقمية ستكون من أكبر الرابحين من هذا التطور القادم, فمن خلال ذلك ستكون السوق قادرة على التغلب واحدة من أهم المشاكل التي تعاني منها وهي مشكلة العائدية Dividing وكذلك المشاركة في الإدارة.
فكما هو معروف بأن الاستثمار في العملات الرقمية بشكله الحالي لا يوفر أية عوائد إيراديه دورية للمستثمرين (اللهم في حالات نادرة بفضل بروتوكول اثبات الحصة), وكل ما يحصل عليه المستثمر هي في حقيقة الأمر مجرد إيرادات رأسمالية ناجمة عن التغيرات المستمرة في أسعار الأصول الرقمية.
كما أن السوق الرقمية ستكون أمام مرحلة جديدة تتدفق فيها سيولة إضافية إليها وتضمن دخول لاعبين جدد للسوق.

ومع كل هذه السمات والخصائص يمكن القول بأننا سنشهد مرحلة جديدة مثيرة للاهتمام خلال الفترة القادمة, قد تتغير معها معالم وملامح الأسواق المالية وسوق العملات الرقمية و تؤدي إلى انتقال الأسواق المالية إلى شكل جديد (السوق المالية الرقمية), مع ذلك لا تزال هناك بعض المعوقات التي تواجه هذا الاسلوب التمويلي الجديد.


المعوقات التي يواجهها اسلوب STO ودور شبكة اونتولوجي Ontology في التغلب عليها


مع هذه السمات التي يتمتع بها هذا الاسلوب التمويلي الجديد فقد بدأت بالفعل بعض الشركات في استخدامه والاهتمام به, فوفقاً لأحد التقارير فإن موقع overstock.com جمع نحو 134 مليون دولار باستخدام هذا الاسلوب التمويلي وذلك من أجل بناء منصة تداول خاصة بالأصول المالية الرقمية التي ستطرح للاكتتاب العام وفق STOs.
كما أن أحدى شركات تقديم خدمات الطاقة أصدرت أصولها المالية الرقمية في سبيل الحصول على تمويلات تقدر بنحو 125 مليون دولار, منصة بايننس Binance لم تغب عن المشهد فقد أعلنت مؤخراً عن اقامة شراكة مع مالطا Malta لافتتاح قسم خاص لتداول الأصول المالية الرقمية الجديدة STO.

غير أن المشاكل والمعوقات التي يعاني منها هذا الأسلوب لا تزال تعيق سرعة انتشاره, وتتركز معظم هذه المعوقات في أمور تنظيمية وقانونية, مع ذلك أعلنت شركة أونتولوجي Ontology عن جملة من القواعد التنظيمية التي تهدف إلى توفير بيئة تنظيمية وقانونية ملائمة للشركات التي تسعى إلى الاعتماد على هذا الاسلوب.

تخطو شبكة انتولوجي بثبات نحو دعم الأصول المالية الرقمية الجديدة, فقد أعلنت مؤخراً عن معاييرها الخاصة بخصوص الأصول المالية الرقمية OEP-506 token standard proposal بعد دراسات وأبحاث مكثفة قامت بها الشركة.
فوفقاً لما أعلنته الشركة فإن المشاريع التي ترغب باستخدام اسلوب STO يتوجب عليها الخضوع لمراجعة مدى الالتزام بالقواعد المعتمدة, مراجعة للكود البرمجي للمشروع, وكذا التحقق من الخلفية التاريخية التي يتمتع بها فريق المشروع.
ومن خلال البنية التحتية التي توفرها الشركة فإنها تسعى إلى دعم حاجة الأصول المالية الرقمية إلى إدارة دورة حياتها الكاملة وتمكين المصدرين من الوصول إلى خدمات dApps.


أخيراً..
إن هذا الاهتمام الذي تبديه الشركات الرقمية الرائدة يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على أهمية الخطوات والاجراءات التنظيمية التي يتم تبنيها خارج إطار هيئات الأوراق المالية ويؤكد على أهمية الدور المتوقع من وجود مؤسسات ذاتية التنظيم Self-regulating Organizations.
نؤكد أيضاً على أن سوق العملات الرقمية في طريقها الصحيح نحو التطور, فالتجارب دائماً ما تقود إلى مستوى متقدم, ويؤكد الكاتب أيضاً بأن ظهور سوق العملات الرقمية ما هو إلا البداية الأولى لتطور أسواق المال عموماً و الأسواق المالية بشكل خاص.


orginal article
https://market.technobitarabia.com/news-show/71

Unknown

البعداني, شاب طموح يسعى لتقديم كل هو مفيد.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Follow Us On Google+

 

Copyright @ 2017 البعداني بلوج.

Designed by Templateiy